الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
285
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
ودعا معاوية بفرس فركب ، وكان يقول : أردت أن أنهزم فذكرت قول ابن أطنابة - كان ابن أطنابة جاهليا ، وأطنابة أمه امرأة من بلقين - أبت لي عفتي وحياء نفسي * وإقدامي على البطل المشيح وإعطائي على المكروه مالي * وأخذي الحمد بالثمن الربيح وقولي كلّما جشأت وجاشت * مكانك تحمدي أو تستريحي فمنعني هذا القول من الفرار . هذا ، والأصل في العنوان ما رواه الطبري ( 1 ) وغيره ( 2 ) ، كما مر عن زيد بن وهب : أن عليّا عليه السّلام لما رأى ميمنته قد عادت إلى مواقفها ومصافها ، وكشفت من بإزائها من عدوّها ، حتى حاربوهم في مواقفهم ومراكزهم ، أقبل حتى انتهى إليهم ، فقال : إنّي رأيت جولتكم وانحيازكم عن صفوفكم ، يحوزكم الطغاة الجفاة وأعراب أهل الشام ، وأنتم لهاميم العرب ، والسنام الأعظم ، وعمّار الليل بتلاوة القرآن ، وأهل دعوة الحق إذ ضل الخاطئون ، فلو لا إقبالكم بعد إدباركم ، وكرّكم بعد انحيازكم ، وجب عليكم ما وجب على المولّي يوم الزحف دبره ، وكنتم من الهالكين ، ولكن هوّن وجدي وشفى بعض أحاح نفسي أنّي رأيتكم بأخرة حزتموهم كما حازوكم ، وأزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم ، تحسونهم بالسيوف تركب أولاهم أخراهم كالإبل المطردة ، فالآن فاصبروا ، نزلت عليكم السكينة وثبّتكم اللّه تعالى باليقين ، ليعلم المنهزم أنهّ مسخط ربه وموبق نفسه ، إنّ في الفرار موجدة اللّه عز وجل عليه ، والذلّ اللازم ، والعار الباقي ، واعتصار الفيء من يده ، وفساد العيش عليه ، وإنّ الفار منه لا يزيد في عمره ولا يرضي ربه ، فموت المرء محقا قبل إتيان هذه
--> ( 1 ) تاريخ الطبري 5 : 25 . ( 2 ) صفين لنصر بن مزاحم : 256 .